صفي الرحمان مباركفوري

91

الرحيق المختوم

كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه ، لكن كانت قشرة النزعات الجاهلية ، والعصبية التقليدية ، والتعاظم بدين الآباء هي غالبة على مخ الحقيقة التي كان يتهمس بها قلبه ، فبقي مجدا في عمله ضد الإسلام ، غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة . وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه خرج يوما متوشحا سيفه ، يريد القضاء على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلقيه نعيم بن عبد اللّه النحام العدوي « 1 » ، أو رجل من بني زهرة « 2 » ، أو رجل من بني مخزوم « 3 » فقال : أين تعمد يا عمر ؟ قال : أريد أن أقتل محمدا قال : كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدا ؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي كنت عليه ، قال : أفلا أدلك على العجب يا عمر ! إن أختك وختنك قد صبوا ، وتركا دينك الذي أنت عليه ، فمشى عمر دامرا حتى أتاهما ، وعندهما خباب بن الإرث ، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها - وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن - فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت ، وسترت فاطمة - أخت عمر - الصحيفة ، وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب إليهما ، فلما دخل عليهما قال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم ؟ فقالا : ما عدا حديثا تحدثناه بيننا . قال : فلعلكما قد صبوتما . فقال له ختنة : يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على ختنة فوطئه وطأ شديدا . فجاءت أخته فرفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده ، فدمى وجهها - وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها - فقالت - وهي غضبى - : يا عمر إن كان الحق في غير دينك ، أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه . فلما يئس عمر ، ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحى ، وقال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه ، فقالت أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون ، فقم فاغتسل ، فقام فاغتسل ، ثم أخذ الكتاب ، فقرأ : « بسم اللّه الرحمن الرحيم » فقال : أسماء طيبة طاهرة . ثم قرأ : طه حتى انتهى إلى قوله : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فقال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ؟ دلوني على محمد .

--> ( 1 ) وهذا على رواية ابن إسحاق ، انظر ابن هشام 1 / 344 . ( 2 ) روى ذلك أنس بن مالك رضي اللّه عنه . انظر تاريخ عمر بن الخطاب ص 10 ، ومختصر سيرة الرسول الشيخ عبد اللّه بن محمد النجدي ص 103 . ( 3 ) روى ذلك ابن عباس انظر المصدر الأخير ص 102 .